الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
113
تفسير روح البيان
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ الوكيل القائم على الأمر حتى يكمله اى وما وكلت عليهم لتجبرهم على الهدى وما وظيفتك الا البلاغ وقد بلغت أي بلاغ وفي الآية إشارة إلى أن القرآن مذكر جوار الحق للناس الذين نسوا اللّه وجواره فمن تذكر بتذكيره واتعظ بوعظه واهتدى بهدايته كانت فوائد الهداية راجعة إلى نفسه بان تنورت بنور الهداية فانمحى عنها آثار ظلمات صفاتها الحيوانية السبعية الشيطانية الموجبة لدخول النار ( وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ) فإنه يوكله إلى نفسه وطبيعته فتغلب عليه الصفات الذميمة فيكون حطب النار ( وَما أَنْتَ ) يا محمد ( عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) تحفظهم من النار إذا كان في استعدادهم الوقوع فيها وفي الحديث ( انما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها وانا آخذ بحجزكم تقحمون فيه ) والحجز جمع الحجزة كالكدرة وهي معقد الإزار خصه بالذكر لان أخذ الوسط أقوى في المنع وأصل تقحمون بالتشديد تتقحمون وفيه اى في النار على تأويل المذكور يعنى انا آخذكم حتى أبعدكم عن النار وأنتم تدخلون فيها بشدة . ومعنى التمثيل ان النبي عليه السلام في منعهم عن المعاصي والشهوات المؤدية إلى النار وكونهم متقحمين متكلفين في وقوعها مشبه بشخص مشفق يمنع الدواب عنها وهن يغلبنه وفي الحديث اخبار عن فرط شفقته على أمته وحفظهم من العذاب ولا شك فيه لان الأمم في حجر الأنبياء كالصبيان الأغبياء في أكناف الآباء صلوات اللّه عليهم وسلامه وفي الحديث ( ان مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى انما هي قيعان لا تمسك ماء فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه اللّه بما بعثني به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع لذلك رأسا ) اى لم يلتفت اليه بالعمل ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به انتهى فعلم العالم العامل المعلم كالمطر الواقع على التربة الطيبة وعلم العالم المعلم الغير العامل كالمطر الواقع على الاجادب واما الذي لا يقبل الهدى أصلا فكان كالأرض التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فكما انها ليس فيها ماء ولا كلأ فكذا الكافر والجاهل ليس فيه علم ولا عمل فلا لنفسه نفع ولا لغيره اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها يقال توفاه اللّه قبض روحه كما في القاموس والأنفس جمع نفس بسكون الفاء وهي النفس الناطقة المسماة عند أهل الشرع بالروح الإضافي الإنساني السلطاني فسميت نفسا باعتبار تعلقها بالبدن وانصياعها باحكامه والتلبس بغواشيه وروحا باعتبار تجردها في نفسها ورجوعها إلى اللّه تعالى . فالنفس ناسوتية سفلية والروح لاهوتية علوية قالوا الروح الإنساني جوهر بسيط محرك للجسم وليس هو حالا في البدن كالحلول السرياني ولا كالحلول الجواري ولكن له تعلق به تعلق التدبير والتصرف والروح الحيواني اثر من آثار هذا الروح على ما سبق منى تحقيقه في سورة الإسراء عند قوله تعالى ( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) فهو من الروح الإنساني كالقمر من الشمس في استفاضة النور والبهائم تشارك فيه الإنسان وهو الروح الذي يتصرف في تعديله وتقويته علم الطب ولا يحمل الأمانة والمعرفة والتراب يأكل محله وهو البدن العامي لان اللّه تعالى حرم على الأرض